أحمد بن علي القلقشندي

115

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

متّفقة ، والقلوب مؤتلفة ، والكلمة مجتمعة ، ونيران الفتن والضّلالة خامدة ، وظنون بغاتها والسّاعين لها كاذبة ، وطبقات الأولياء والرّعيّة - بما أعيد إليهم من الأمنة تعقب الخيفة ، والأنسة من بعد الوحشة - مستبشرة ، وإلى اللَّه عزّ وجلّ - في إطالة بقاء الأمير وإدامة دولته ، وحراسة نعمته وتثبيت وطأته - راغبين ، وفي مسالمته مخلصين . ولو لم يكن السّلم في كتاب اللَّه مأمورا به ، والصّلح مخبرا عن الخير الذي فيه ، لكان فيما ينتظم به : من حقن الدّماء ، وسكون الدّهماء ، ويجمع من الخلال المحمودة ، والفضائل الممدودة ، المقدّم ذكرها - ما حدا عليه ، ومثّل للعقول السّليمة والآراء الصّحيحة موضع الخير فيه ، وحسن العائدة على الخاصّ والعامّ به ، فيما يتجلَّى للعيون ، من مشتبهات الظَّنون ، إذ الدّين واقع ، والشّكّ جانح بين المحقّ والمبطل ، والجائر والمقسط . وقد قال اللَّه جلّ ثناؤه : * ( ولَوْ لا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ ونِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ) * ( 1 ) ناظرا للمسلمين من معرّة أو مضرّة تلحق بعضهم بغير علم ، ومؤثرا تطهيرهم من ظنّ العدوان ، مع رفعه عنهم فرطات النّسيان ، وكافّا أيدي المسلمين عن المشركين ، كما كفّ أيديهم عن المسلمين ، تحنّنا على بريّته ، وإبقاء على أهل معصيته ، إلى أن يتمّ لهم الميقات الذي أدناه ، والأمر الذي أمضاه ، وموقع الحمد في عاقبته ، والسّلامة في خاتمته ، وبلَّغهم من غاية البقاء أمدها ، ومن مرافق العيش أرغدها ، مقصورة أيدي النّوائب عما خوّله ، ومعصومة أعين الحوادث عما نوّله ، إنه جواد ماجد . قلت : وعلى هذا المذهب كتب عقد الصّلح بين السّلطان الملك النّاصر أبي السّعادات « فرج » بن السّلطان الملك الظَّاهر « برقوق » ، وبين المقام الشّريف القطبيّ تيمور كوركان ( 2 ) صاحب ما وراء النّهر ، بعد طروقه

--> ( 1 ) الفتح / 25 . ( 2 ) هو تيمور لنك ، أو تيمور كوخان ، قطب الدين . استولى على بلاد ما وراء النهر سنة 771 ه . ( معجم الأنساب والأسرات الحاكمة لزامباور : ص 401 ) .